ما اعتز أحد بوصف يطلق عليه قدر
اعتــــزازه بأن يقال له \" إنما أنت الرجل حق الرجل\" ، وما غضب أحد من وصمة
تُلصــــق به قدر غضــــــبه من قولة قائل له :\" لست رجلا\" ، وإذا كان للوصف
بالرجولة كل هذا القـــدر من الأهمية ، حتى ليدفع سلبها من أحدهم ( وصفا له بأنه
ليس رجلا ) إلى حـــد أن يقاتل القائل أو يقتله ، فما الرجولة؟ ومن أين لها هذه
الأهمية ( في حياة الأســــوياء من الناس بالطبع)؟ هل الرجولة تساوي مجرد الذكورة؟
لو كان الأمــــــــر كذلك ما رأينا ملايين الذكور ، لا وزن لهم في الحياة ، إلا
بكونهم أرقاما في إحصــــائيات تعداد السكان ، ولرأينا العالم يضج من امتلائه
بأخلاقيات وسلوكات الأسوياء من الناس ( الذين يقام لهم يوم القيامة وزن ) .ومن أسف
أننا نرى تعدادات ســكان العالم بالملــيـــارات ، ونبحث بينهم عن الرجال ( بميزان
الرجولة الصادقة ) فلا نرى إلا القليل.
ويؤكد عدم اقتصار معنى الرجولة على مجـــــــرد الذكورة ، ما كانت النساء(
الإناث) يأتين به في مواقف البأس ( الحــــرب)، ومواطن الرأي ( المشـــــورة ): لقد
اهتزت الأرض من تحت أقدام كثير من الرجال في أُحد ، وغادر أحــــدهم أرض القتال
ناجيا بنفسه ، فلقيته نسيبة بنت كعب ( وكانــت قــد خـــرجــت في الجيش لما تخرج له
النساء من تطبيب ، وسقي جرحى) ، فلما رأته موليا انتزعت السيف من يده ، وذهبت تسد
الثغرة في الصف المسلم المقاتل ، حتى قال عنها النبي - صلى الله عليه وسلم \" ما
تلفت يمنة أو يسرة إلا وجدت نــسيـــــبة تقاتل دوني\" أو كما قال ، ذلك بينما كان
بعض الذكور قد غادر ارض المعركة ، حتى وصل أبواب المدينة قبل أن تهدأ له نفس. ولقد
تأزم الموقف يوم الحديبية حين لم يطع الرجــــــال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم
بنحر الهدي ، والحلق، ودخل الرسول الكريم بته غــاضبا يقول : هلك الناس، فتقول له
زوجه : وما أهلكهم؟ قال أمرتهم أن ينحــــروا الهدي ويحلقوا فلم يطيعوا . قالت : أو
تحب أن يفعلوا؟ اخرج إليهم ، فانحــــــر هديك ، واحلق شعرك ، وستراهم قد فعلوا ،
وقد حدث ما أشارت به ، وجــاءت النتيجة وفق ما توقعت . وهذا هو سداد الرأي المنقذ
حين يُحتاج إلى الرأي ، فأيـــن كان رأي الرجال ؟ فهل الرجولة هي الفحولة : امتدادا
في الطول ، وقوةً في الساعــد والعضد ، وفتلا للشوارب ، واستعراضا لكمال الأجسام ؟
لو كان الأمر كذلك ، لعد الصناديد من كفار قريش رجالا ، ولما أهان الله ذوي الفتوة
والفحولة منهم ، حتى حُزت منهم الرقاب بأيدي من كان ( ظاهـــــــرا) من أضعف الرجال
بنية .. لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم جميعا - يتضاحكون من حماشة ســـــاق
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعطــــيها وزنها
الحقيقي فيقول إنها أثقل في الميزان من جبل أحد، وكانت هذه الســاق الحمشاء هي التي
اعتلت صدر أبي جهل - بعد أن صرع الله عنفوانه في بــــدر .