مرحبا بالعضو الجديد: jalilo
      *قصه..و..قصيده* .....       الحب و الجنون .....       يعصي امه ثم يندم .. لكن هل ينفع ؟! .....       الطير الأبابيل .....       لوزة و صديقتها .....       ماكي في المدرسة .....       دابة الأرض .....       الكلب الوفي .....       فيل أبرهة .....       أشتريك ما أبيعك يامطر (2) .....
الصفحة الرئيسية
اسم المستخدم
كلمة المرور
:: نسيت كلمة المرور
:: تسجيل عضو جديد
المتواجدين حاليا :
20 الأقسام :
1174 عدد القصص:
171 الأعضاء :
349 التعليقات :
925339 زوار مكتبة القصص:
الصفحة الرئيسية » قصص رومـــانســـية » بكاء تحت المطر ..
مشاركة : شواقه اطبع القصة ارسل القصة لصديق
تاريخ الإضافة :: 2009/12/14   ||   عدد الزوار :: 953
بكاء تحت المطر ..

بكاء تحت المطر .. للكاتبه قماشه العليان

في يوم غائم ممطر التقيته لأول مره.. كان شارد اللب حزيناً تقطر عيناه دموعاً ومرارة.. وكنت في أسوأ حالاً قلباً وقالباً.. أحسست بأعماقي أنه مصدوم.. صدمته قوية أطاحت بكل آماله وأحلامه.. كما أن حياتي بأسرها هي صدمة.. صدمة مؤلمة منذ بدايتها وإلى الآن وحتى النهاية.. لا بصيص نور يضيء حياتي ولوحتي انكسار وضوء يبدد العتمة..
سألته وحبات من الدموع تغرق عيني:
ــ أهي أزمة مالية.. أم اجتماعية؟
أجاب بانكسار معذب:
ــ لا هذه ولا تلك..
استطر بعد أن نظر إلى بشرود:
ــ ربما هي أزمة عمر.. وربما هي ليست أزمة بمعنى الكلمة.. فكلمة أزمة هي كلمة فضفاضة واسعة تحمل ألف معنى ومعنى.. بينما ما أعانيه وما أشعر به وما أحسه لا علاقة له بتلك الكلمة لا من قريب ولا من بعيد..
تمالكت نفسي وحاولت السيطرة على مشاعري المنهارة.. ابتلعت دموعي المنسابة داخلي وغصة ألم تقتادني بمرارة نحو دهاليز لا أجهلها..
اغتصبت ابتسامة وأنا أقول:
ــ أهو لغز أم فزورة..؟
تنهد بقوة خلت معها أن قلبه سيقفز خارج صدره.. قال بكلمات اعتدت رنينها:
ــ أتفضلين أن أجلس كما أنا؟ أم لابد من ذلك المقعد الطويل لما له من أهمية لديكم أيها الأطباء النفسانيون؟
ترددت برهة.. لا.. لن أعامله كأي مريض يزور عيادتي.. إنه.. هو.. حالة خاصة.. حالة خاصة جداً.. وجلوسه على المقعد الاعتيادي سيجعله أكثر قرباً مني.. وأكثر صدقاً.. وأقل مرارة.. لن أجعله يشعر بالفروق الفردية بيننا كطبيبة ومريضها.. سأعامله كصديق.. كقريب يحكي لصديقه عن عذاباته وكأننا نجلس في مقهى أو على ناصية في أحد الشوارع أو في مطعم للوجبات السريعة.. سأكون كما لم أكن قبلاً، الأم والصديقة والطبيبة..
هززت كتفي بلا مبالاة وأنا أقول:
ــ كما يحلو لك.. ولتبق مكانك إن أردت.. وأضفت برقة:
لنتحدث كأصدقاء..
التفت إلي فجأة.. تألقت عيناه ببريق طالما أحببته..
همس بصوت خافت:
ــ غريبة.. إن الأطباء الذين زرتهم كانوا دائما يصرون على أن أستلقي على ذلك المقعد..
هتفت بمرح:
ــ إذن فأنا لست أول طبيبة تزورها؟
رد بأسى:
ــ بالضبط يا دكتورة.. فلقد زرت خمسة من الأطباء قبل أن أسمه بك.. وللأسف كلهم تجاريون.. ولم أجلس عند أي منهم أكثر من خمس دقائق فقط..
ازداد الصخب في أعماقي وأنا اسأله:
ــ لقد تجاوزت فترة مكوثك لدي الخمس عشرة دقيقة فهل تفضل الانصراف أم..؟
قاطعني قائلاً:
ــ لقد ارتحت هنا.. وأعتقد أن أهم بنود العلاج النفسي هي ارتياح المريض للطبيب وثقته به..
التزمت الصمت وابتسامة ثقة ترتسم على شفتي المرتجفتين انه يرتاح لي.. انه يثق بي.. انه.. لا.. الماضي لا يمكن أن يعود.. يجب أن أنسى.. وهيهات أن أنسى..
أفقت فجأة من تأملاتي على صوته المتذبذب.. هدير صوته كشلال ينساب في أعماقي فيوقظني.. يوقظني حتى الحنين.. حتى الألم.. حتى جروح الذاكرة المقفلة على صديد.. سألني بغتة:
ــ دكتورة.. هل ابدأ منذ البداية.. أعني بداية قصة حياتي..
ترددت برهة قبل أن أقول:
ــ دع نفسك على سجيتك وحادثني في أي موضوع ترتاح إليه، حديث الأصدقاء أو كما تحب أن يكون..
أغمض عينيه بشدة، وكأنه يحجب صورة بشعة عن ناظريه كأنه يهرب من قدر يطارده..
وأضحيت نفسي أتأمله.. أتأمله كما لم أتأمل مريضاً يدخل عيادتي.. بشعره الأسود الداكن وأنفه الروماني الدقيق.. واستدارة الوجه العجيبة.. إنها الاستدارة بنفسها بالشارب الأسود الخفيف نفسه.. والشفتين الممتلئتين.. وكأنهما غاضبتان من العالم بأسره..
اهتزت رموشه فجأة.. لتضيء عينيه دموع.. دموع حقيقية.. دموع رجل في قمة مأساته.. قمة معاناته.. منتهى الانهيار والخضوع..
قال بتداع:
ــ أكره الأطباء.. لم أفكر باللجوء إلى أحد منهم حتى تجاوزت مأساتي ( إن صح إطلاقي عليها لقب مأساة ) خطوطها الحمراء.. طفولتي كانت عادية، أو هذا ما أذكره منه كانت عادية.. لا شيء غير اعتيادي سوى انفصال أمي وأبي بالطلاق.. مشاكل وقضايا وتخيط في أورقة المحاكم.. انتهت بأن انضممت إلى أمي أنا وأختي الصغرى، بينما أخواتي الثلاث الكبيرات ذهبن على غير إرادتهن إلى أبي.. أمي لم تكن قاسية ولم تكن حنونة بل كانت حزينة.. حزينة ويائسة إلى حد الجنون.. عشت معها وأختي في جو كئيب حزين تخيم عليه التعاسة من كل جانب.. ولم نكن نرى أبي ولا حتى أخوتي، وكأنهم انفصلوا عن دنيانا إلى دنيا أخرى وعالم آخر لا يمت لعالمنا بصلة..
صمت وعيناه تغيمان بسحابة حزن غامضة.. نظر إلي فجأة وهو يسألني عن الوقت..
ابتسمت وأنا أبادله السؤال:
ــ ألا ترغب في إكمال الحديث؟
رد بحرج:
ــ لقد مضت ساعة يا دكتورة وأنا لست مريض الوحيد.. سآتي فيما بعد أيقنت أنه يهرب.. يهرب من شيء ما.. شيء لم يذكره ولا يريد ذكره.. لم أشأ الضغط عليه.. وإبقاءه رغما عنه.. فهذا يفشل خطة العلاج ويدمر العلاقة بين الطبيب والمريض، يجب أن يشعر بالحاجة لي من تلقاء نفسه.. يجب أن يعود دون أية ضغوط..
هززت كتفي بلا مبالاة قائلة:
ــ حسناً هذا يكفي اليوم.. إذا شئت أن تعود مرة أخرى، فالرجاء أن تأخذ موعد لا حقاً..
نظر إلي بدون تركيز وهو يهمس:
ــ سأعود.. حتماً سأعود..
كان هذا هو اللقاء الأول لي معه.. مع الصورة المجسمة لحبيبي الراحل.. صورة خلتها عادت من لحم ودم كما كانت قبل أعوام.. زوجي وحبيبي حسن.. الهيئة نفسها.. والمنظر نفسه، وله ذات الوجه الأسمر المهيب والشارب الأسود الخفيف.. والشفتان ذاتهما الغاضبتان من العالم بأسره.. هو,, هو بشحمه ولحمه.. هو هذا المريض.. خالد.. ظهور سكب الملح على جرحي وأيقظ حنينا يسكن الضلوع.. ظهور أعاد لي ذكريات الماضي القريب غاية القرب إلى نفسي، لم يكن حبي له وليد المصادفة.. أو الظروف.. بل ولد معي وتنفسته مع هوائي وعايشته بأجوائي.. فهو ابن عمي وأقرب قريب لي.. أحببته منذ الطفولة وعايشته في صباي وتعاهدنا على الزواج ونحن على مشارفة المراهقة.. لم يخيب أبواي رجائي.. ولم تكتنف طريق حبنا عثرة من أي نوع.. كان كل شيء سهلاً ميسراً بصورة تبعث على الشك.. وكيف لي أن أرتاب في أن سعادتي ستغتال في أقرب فرصة.. وأنني سأعود عما قريب صفر اليدين وحيدة إلا من ذكرياتي.. أجتر أحزاناً هائلة يعجز عنها قلب بشر.. وجراحاً عميقة تمزق أعتى القلوب..
زففت إلى حسن في ليلة حلوة بهيجة.. رقص فيها كل شيء حولي حتى أشياء حجرتي الصغيرة.. ارتديت الثوب الأبيض الذي أهداه حسن، والعقد الماسي الذي قال لي يوماً أنه يحاكي لون قلبي..
بدوت جميلة.. كما لم أكن أبداً من قبل.. سعادتي الداخلية أضفت على مظهري رونقا لم أكن أعهده.. غدوت حديث الجميع في تلك الليلة حتى ابنة خالتي الغيورة همست بحقد اخترق أذني:
ــ إنها تبدو جميلة على غير العادة..
لم أعر أحداً انتباهاً ومضيت بطريقي غير عابئة بأحد أستقبل سعادتي المنتظرة بكل شوق وحب ولهفة..
تزوجته.. واتفقت معه ألا يفرقنا عن بعضنا إلا الموت.. وهيهات للموت أن يتغلغل في أفكارنا حينذاك، ونحن في قمة الفرح والسعادة.. كانت كلمة الموت بالنسبة لنا في ذلك الوقت كقصة اسطورية.. كظهور طبق طائر في الفضاء تثير سخريتنا أكثر مما تثير خوفنا..
وتكلل حبنا بقدوم أول طفل لنا.. وقتها ظهرت أول مشكلة في حياتنا.. كانت تبدو لي حينها ضخمة مجسمة محيره.. وهى إكمال دراستي في كلية الطب، وقد اجتزت المستوى الثالث بنجاح مشرف.. اعترض حسن على ذلك وقال لي بأن رعاية الطفل أهم.. بينما أصررت على رأيي وخيرته بين إكمال دراستي وحياتنا معاً..
تذكرت الدموع التي انسابت على وجهه حينذاك وهو يهمس:
ــ ألهذه الدرجة أبدو تافهاً بنظرك.. تفضلين دراستك علي؟
أسرعت إليه تسابق دموعي دموعه.. وأعلنت له بكل حرارة بأن حبي له وحياتي معه أثمن من أية شهادة في العالم.. ومضيت حياتنا في سعادة خالصة حتى أحسست بما اعترى زوجي وحبيبي من تغير.. لاحظت شحوبه ونحوله.. وشروده الدائم والصداع القاتل الذي يمزق رأسه.. طلبت منه مراراً أن يعرض نفسه على الطبيب..
إجابته الدائمة كانت أن ما به لا يعدو صداعاً نصفياً ستقضي عليه المسكنات وأن هذا هو تشخيص كل طبيب زاره..
إحساس خفي يؤكد لي بأنه يكذب، وأنه يحاول أن يجنبني عذاباً لا طاقة لي بتحمله.. قلبي يود تصديقه وينفي كل احتمال آخر بكذبه.. وكيف لي أن أكذبه وهو حياتي التي أعيشها وعمري الذي أحياه حتى سقط بين أقدامي ذات يوم فاقداً الوعي.. حاولت إسعافه بأدويته التي يتناولها عادة، ولكن بدون أية فائدة.. اتصلت بوالده الذي حضر على الفور وساعدني على إفاقته من الغيبوبة ودموعه لا تفارق خديه..
هتفت جزعة:
ــ عمي.. ماذا حدث.. هل زوجي حسن مريض؟
هز رأسه دون أن يتكلم..
صرخت دون وعي:
ــ ما به؟
ارتجفت شفتاه وهو يقول برهبة:
ــ ذلك المرض اللعين.. السرطان..
أغمي علي وافقت على واقع بشع مخيف.. يخلو من حبيب العمر حسن.. انطفأت شمعة حياتي وغدا عالمي حالك الظلام.. حالك السواد..
صرخت من أعماقي.. لماذا لم تخبرني من قبل؟ لم لم تدعني أشاركك مأساتك ومرضك وعذابك وقد تشاركنا من قبل في كل شيء.. في حلاوة الدنيا ومرارتها.. لم حاولت أن تجنبني العذاب لأصحو على عذاب أشد قسوة.. وأكثر مرارة.. لما حرمتني وداعك.. لأعطيك من أنفاسي حرارة تبعث الحياة في جسدك وأعطيك من حبي دفقة أمل تواجه بها المرض الكاسر وتهزمه.. وضاعت صرخاتي وسط صدى الأحزان ولكني لم أبك.. لم أذرف دمعة واحدة.. تحجرت دموعي لتدميني من الداخل ولتفجر أحزاناً تشقق من حملها الأضلاع..
كل شيء يذكرني به.. كل كلمة أستشعرها بوجوده.. حتى وجه طفلي الحبيب أبيت النظر إليه ودموع الداخل تنساب دون حساب.. وعيناي جافتان بدون دموع.. فقط حين رأيت خالد بكيت!! فوجوده أعاد صورة حسن إلى ذهني.. بشبابه وصحته وحيويته.. حسن كما عرفته دائما وكما تمنيت دائما أن يكون.. ظهور خالد أعادني إلى واقع طالما حاولت الهروب منه.. إن حسن موجود بأعماقي لم يمت ولن يموت.. هو حبي الوحيد الذي يسري في دمائي، ولن أنساه ما حييت رغم انشغالي بدراستي في السنوات الماضية، وتخرجي من الجامعة.. حتى طفلي لم ينس والده، وما فتىء يذكره في صحوه ومنامه ويسألني عنه في كل شاردة وواردة وماذا كان يحب وماذا كان يكره رغم مرور سبع سنوات على رحيله..
أيقضني صوت الممرضة من تأملاتي:
ــ دكتورة.. لقد حان موعد الانصراف.. هل ترغبين بشيء؟
مسحت دمعة فرت من عيني وأنا أجيبها باستسلام:
ــ شكراً يا هدى.. مع السلامة..

 

عشت أياماً رهيبة تلت لقائي بالمريض خالد.. عانيت ضغوطا وصراعات نفسية غاية في القسوة.. كنت أحاول إقناع ذاتي بأن الماضي لا يمكن أن يعود، وأن ما تمضي به الأيام لا يمكنه بحال من الأحوال العودة إلى الوراء مرة أخرى..
ولكن قلبي.. ومشاعري.. أحاسيسي كله انتفضت من جديد وعاد كياني ينبض بأسى عشت عمري كله أقاومه..
ضممت ابني إلى صدري وصور الماضي بكل عذاباته تتدافع إلى نفسي من جديد.. كفاحي في الدراسة بعد غياب وحملي لقب أرملة وسط زميلاتي الطالبات.. ومأساة بعد التخرج واجتماع العائلة لتقرير مصيري.. أعمل أم لا أعمل.. ملغين بذلك وجودي واختياراتي كامرأة ناضجة لها الحق في تميز دربها الصحيح.
بعد أسبوع من لقائي مع خالد.. أتتني الممرضة لتخبرني بحضور المريض خالد.
دق قلبي بعنف.. حاولت جاهدة إخفاء ملامح اللهفة والاشتياق.. خانتني دمعة.. وهل حقا هذا الذي يحدث.. من بين آلاف البشر يطرق عيادتي ذات مساء شبيه لحبيبي الراحل.. إنها حكمة الله ولله في خلقه شئون.
دخل خالد الحجرة دون أن يلقي علي السلام.. نظرت إليه بسرعة.. لم يكن كعادته.. كان بادىء الاضطراب يعلو وجهه الوسيم وجوم شديد.. ترتجف يداه بعنف..
بادرته قائلة:
ــ مرحبا.. هل أنت في أحسن حال؟
باقتضاب أجاب:
ــ لقد عاودتني النوبة..
لم أسأله أية نوبة يقصد.. فأنا لم أكن أعرف عنه إلا القليل.. القليل جداً مما حكاه لي.. ولم يتشعب حديثنا إلا عن حياته العائلية فقط ولا شيء آخر..
ولم أدر بقصة النوبات التي تحدث له..
حاولت الإفراخ عم روعه وأنا أقتاده إلى المقعد الطويل ليرتاح عليع..
جلست قربه وأنا اسأله بطريقة ودودة:
ــ ما الأمر.. ماذا حدث..؟
تنفس بعمق قبل أن يقول:
ــ لقد عاودتني النوبة.. نهضت من النوم من غير أن أشعر، وصعدت إلى أعلى البناية التي أقطن بها، وحاولت أن ألقي بنفسي من فوق سبعة أدوار.. لولا أن تجمهر الناس وأنقذوني.. والكلمات المعاد نفسها:
ــ لماذا تحاول الانتحار؟ أنت شاب وأمامك مستقبل لامع فلماذا تقتل نفسك بهذه الطريقة؟ وغيرها الكثير من العبارات التي مللت سماعها..
فمتى يعرفون أنني لا أدري عن نفسي شيئاً وأنا أعمل ذلك.. متى يفهمون بأنني مسير ولست مخيراً وأن هذا شيء لا أفهمه.. يحدث بغير إرادتي وكأن شخصا ما يحركني رغماً عني.. لقد تعبت يا دكتورة وأريد أن استريح..
ــ منذ متى تعاودك هذه النوبات؟
ألقى برأسه إلى الوراء وكأنه يعتصر ذاكرته.. قال أخيراً باستسلام:
ــ منذ ثلاث سنوات تقريباً..
ــ وهل تحدث هذه النوبات بانتظام؟ شهرياً مثلاً؟
أشاح بيده قائلاً:
ــ لا.. إنها غير منتظمة.. وقد يحدث أن تأتيني في الشهور الستة مرتين وأحياناً تمر الشهور طويلة دون أن تأتي..
ــ خلال هذه السنوات الثلاث.. كم مرة عاودتك؟
ــ تقريباً أربع أو خمس مرات..
ــ وكلها انتهت بالفشل؟
ــ طبعاً.. و إلا لما كنت أمامك الآن على قيد الحياة..
ــ وماذا يحدث أثناء النوبة بالضبط؟
ــ لا أدري بالضبط.. ولكن شيئاً ما يدفعني بقوة إلى الانتحار.. شيء لا أدري كنهه..
وبدون شعور أحاول أن أقتل نفسي.. أفقت مرة وأنا أحاول طعن نفسي بسكين حادة.. وأمي تحاول انتزاعها مني وهي تنتحب بحرقة.. وأخرى وجدت نفسي قد سكبت البنزين على رأسي، وأحاول إشعال عود ثقاب، لولا أن تدخلت أختي الصغرى آخر لحظة لتنقذني.. والكل يتساءل لماذا أحاول الانتحار.. ماذا يحدث في حياتي لأحاول التخلص منها بهذه الطريقة.. الكثير يقولون لي ألهذه الدرجة هانت عليك نفسك..
وأمي أوعزت لإمام المسجد بأن ينصحني ويقول لي بأنني شاب مؤمن بالله وأن الانتحار كفر..
وأشيح بوجهي يائساً، وأنا أتمزق من الداخل، يفهمهم بأنني فعلاً لا أريد أن أقتل نفسي؟ وأن ما يحدث لي هو شيء لا أرغب به ولا أعلم به.. شيء يصيبني بالرعب والفزع والخوف.. فماذا لو نجحت إحدى هذه المحاولات وقتلت نفسي بالفعل وأنا لا أشعر؟ ماذا يحدث عندها.. إن القلق أدى بي إلى الخوف.. والخوف أدى بي إلى مزيد من القلق ومزيد من الضياع والاكتئاب، فحياتي عاديه أو كما تبدو لي كذلك.. فقد تخرجت في الجامعة منذ عامين وأعمل الآن في وظيفة مكتبية.. وأعيش مع أمي وأختي الصغرى التي تدرس في الجامعة ولا حب في حياتي ولا علاقات من أي نوع..
اضطرمت أحاسيسي وأنا أسمع جملته الأخيرة.. واندلعت النيران في جوفي.. تذكرت "حسن".. حسن الحبيب الراحل.. حبة لفؤاد ولؤلؤة العين.. ولماذا أتذكره في هذه اللحظات بالذات؟
وفي غمرة عملي الذي يجب أن أفصله فصلاً تاما عن حياتي الخاصة.. أنني أتعذب.. أتعذب بالماضي.. وبرؤية الحاضر.. وبالخوف من المستقبل.. آه لو تعلم يا خالد أنني أشاركك الخوف.. الخوف من الآتي القادم والخوف من كل خطوة أخطوها بعد ذلك.. الخوف من العودة إلى وحدتي ويأسي وعذابي.. الخوف من سجن الذكريات الذي ما زال يضرب أسواره حولي.. الخوف من كل شيء وأي شيء..
جاءني صوته المضطرب:
ــ إنني أخشى أن تواتيني النوبة في عملي وبين زملائي فتحدث الفضيحة ويتهمونني بالجنون..
خرج صوتي قوياً على غير إرادتي وأنا اسأله:
ــ هل تذكر بالضبط متى حدثت لك النوبة الأولى؟
وضع يديه على رأسه وهو يضغط بعنف، وكأنه يحاول الإمساك بشيء أفلت من بين يديه..
ثم قال بصوت متهدج:
ــ لا أدري.. ولكن أعتقد إنها حدثت منذ ثلاث سنوات تقريباً.. كنت في السنة النهائية بالجامعة.. وعدت إلى البيت.. كنت مرهقاً مكدوداً.. الجو بارد وغائم.. وجدت أمي تبكي بحرقة ودموعها تسيل على وجنتيها بحرارة.. توجهت إلى حجرتي وألقيت بجسدي على السرير لأنام.. فوجئت بعد ذلك بأمي وأختي وخالي يحاولون إنقاذي من سلك المدفأة الذي لففته حول عنقي لأموت..
كانت صدمة قاسية لي.. وأوشكت فعلاً على التصديق بأنني حاولت الانتحار حقاً ولكن لم؟ لماذا؟ وليس هناك شيء في حياتي يدعوني لذلك.. ثم أني قبل أن أخلد للنوم لم أفكر في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد..
كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ والى أين؟
كلها أسئلة حائرة تطرق رأسي ولا مجيب.. لا شيء غير خواء داخلي يحيل حياتي إلى قبضة من سراب..
ثم أجهش بالبكاء..
قاومت نفسي بشدة كيلا أقترب منه وأربت على كتفيه بحنان وأزيح عن كاهليه ولو جزءاً بسيطاً من العبء الذي يحيل حياته لجحيم معذب..
يجب أن أفصل بين عملي كطبيبة وبين إحساسي وشعوري كامرأة.. فالطبيب النفساني يجب ألا يسلط على المريض أي نوع من أنواع العاطفة حتى يتمكن من إنقاذه من الحالة التي يتخبط فيها.
قلت جاهدة ألا يبدو في صوتي أية رأفة وضعف:
ــ وماذا كان موقف أسرتك في ذلك اليوم الذي حدثت لك فيه هذه النوبة؟
نظر إلي برهة وكأنه يستعيد ذكرى ذلك اليوم البعيد ثم قال بصوت أجش:
ــ أبداً.. اجتمع رأي العائلة على أن أذهب لشيخ يقرأ علي القرآن لعل وعسى..
قاطعته بلهفة حاولت إخفائها:
ــ وهل ذهبت؟
قال بحسرة:
ــ نعم ذهبت وذهبت.. وذهبت..
ذهبت في البداية لرجل ادعى بأنني مسكون بأرواح شريرة، ومضى يحاول خنقي بكل قسوة.. وأنا مستسلم دون حراك، وكأنني جثة بلا روح ولما لم يجد شيئاً ادعى بأن الأرواح ترفض الخروج من جسدي..
ثم ذهبت إلى آخر فآخر.. والعلاج يتنوع ما بين ماء وزيت وخلطة من أعشاب متنوعة.. ولا فائدة.. كنت منهمك النفس مهدود القوى.. مشتت الفكر..
كنت أدرك إدراكاً تاما بأن ما يمكن داخلي هو علة نفسانية لا أكثر ولا أقل.. ولكنني رغم هذا كنت عاجزاً.. عاجزاً حتى عن الشكوى..
أرجوك يا دكتورة أنا متعب الآن..
ابتسمت لأوحي له بالثقة وأنا أقول:
ــ حسناً موعدنا بعد ثلاثة أيام الساعة الخامسة مساء..

استلقيت على سريري شبه منهارة.. لم تكن مشاكل عيادتي تؤثر بي ولكن خالد.. خالد إنه شيء آخر.. شيء أكبر من كل الكلمات وحكاية تتضاءل عندها كل الحكايات.. إنه حسن الراحل في ثوب جديد.. ربما يصغره بخمس سنوات.. ولكن الشبه بينهما يستحيل تجاهله أو التغاضي عنه..
بحثت في أحد الأدراج وأخرجت صورا قديمة.. صوراً من سعادة باتت ذكرى توجع القلوب.. صوري مع الحبيب الراحل.. وانسابت الدموع من عيني بحرارة.. الدموع التي تحجرت فيما مضى وذابت حين تعلقت بالحلم المستحيل..
التقيت "خالد" في العيادة.. شوقي تخفيه رزانتي كطبيبة.. وأحلامي تقتلها عيناه الكئيبتان..
قال لي بدون مقدمات:
ــ هل هناك أمل يا دكتورة؟
ابتسمت في وجهه ببشاشة:
ــ بالطبع إن شاء الله.. فأنت لست مريضاً بمعنى الكلمة.. إنما أنت تعاني من شيء ما يمكن في اللاشعور.. في عقلك الباطن.. وحين نتوصل إليه ستشفى بإذن الله.. فلا يوجد داء بلا دواء.. لذلك سأعطيك الآن إبرة التفريغ النفسي.. إنها إبرة مهدئة.. ستريحك تماماً..
وعندما استرخى تماماً على المقعد.. قلت له بهدوء:
ــ والآن ماذا تتذكر من طفولتك..؟
قال بصوت كأنه خرير الماء:
ــ كنا أسرة واحده غريبة.. مجتمعين ولكن على شتات في كل منا أحزان هائلة يعجز عنها قلب بشر.. ومشاكل لا تنتهي بين أمي وأبي على أي شيء وكل شيء.. كنت منتظماً في دراستي رغم ضياعي..
وفجأة حدث الطلاق بين أمي وأبي.. وما زالت ذكرى ذلك اليوم البائس تسكن ذاكرتي وتلقى ظلالاً بائسة على حياتي حتى هذه اللحظة..
فقد عدت من مدرستي متعباً مهدود القوى ( وهكذا أنا دائماً ) وجدت أمي تبكي.. تبكي بحرقة وهي تلملم ملابسنا في حقيبة كبيرة وأبي يلاحقها بكلمات ولكمات غاضبة وألفاظ جارحة.. كنت أشعر بالتمزق والضياع وأنا أسرع راكضاً لألقي على بنفسي بين أحضان أمي ليشدني أبي بقسوة ويطرحني أرضاً وهو يقول:
ــ الفاسد.. المدلل.. أفسدته بتدليلها.. إنه لا يصلح لشيء..
وصمت خالد.. وانعكست عينيه اللامعتين صوراًً من الماضي.. صوراً كئيبة تؤلمه.. تعذبه.. تنغص عليه حياته.. ومستقبل أيامه..
أمسكت بالقلم وكتبت في المفكرة التي في يدي:
(
عقدة تكمن في الطفولة.. ولدا وحيد بين أربع بنات )
قلت ببطء:
ــ وقبل ذلك.. أعني الطلاق.. ماذا كان نوع العلاقة بين أمك وأبيك؟
ارتعشت رموشه بين عينيه وهو يقول:
ــ كانت علاقة باردة.. جافة.. تخلو من دفء الحب وحرارته.. كان دائماً يحقر أمي ويهينها ويضربها.. لم أرهما يوماً متضاحكين أو باسمين.. كان كلاً منهما يعيش في عالم آخر ودنيا منفصلة عن شريكة.. وعوضت أمي هذا النقص فينا أو على الأحرى بي أنا..
فأغدقت علي من الحنان والحب الكثير والكثير.. كانت تقول لي دوماً:
ــ أنت حبيبي الوحيد.. أنت الرجل الوحيد في حياتي.. ليس في دنياي سواك..
دونت في المفكرة:
(
تعلق مبالغ من الأم بالولد وفي الوقت نفسه قسوة شديدة من الأب )
سألته:
ــ وهل تحب أمك كثيراً؟ أعني أكثر من والدك؟
التفت إلي وكأنه فوجىء بالسؤال.. ثم قال ببرود:
ــ لقد كانت حنونة علي أكثر من أبي وشيء طبيعي أن أحبها أكثر منه..
قلت له وأنا أقصد السؤال:
ــ أتحبها إلى درجة الموت؟
قفز مكانه فجأة وكأنني صفعته.. ولبث لحظة يحدق بي دون حراك.. تمالكت نفسي بصعوبة فلم ترهبني حالته النفسية قدر إحساسي المجنون بقربه مني "حسن الحبيب الراحل يعود لي مرة أخرى"..
انتشلت نفسي من أفكاري وأنا أواجهه.. ترددت أنفاسه بصعوبة.. جاءني صوته وكأنه ينتشله من بئر عميق:
ــ أحب أمي أكثر من أي شيء آخر في الوجود..
وألقى بنفسه على المقعد منهاراً وكأنه اجتاز معركة رهيبة.. معركة مع نفسه..
كتبت في مفكرتي:
(
علاقة غريبة تربطه بأمه.. الموت هو كلمة السر )
قلت وأنا أتفحص وجهه:
ــ ماذا كانت علاقة والدتك بأخواتك البنات؟
نكس رأسه بأسى وهو يقول:
ــ كان كل شيء عادياً بينها وبين أخواتي.. لم ألمح أو أحس بأن هناك شيئاً غير طبيعي.. وكما يحدث في كل بيت كان هناك خلافات بين الأم وبناتها.. أحياناً أيضاً كانت هناك أوقات سعيدة ضاحكة بينهن.. والجميع كانوا يشاركون في رعايتي وتلبية كافة احتياجاتي..
قاطعته:
ــ هل كان والدك يضربك؟
اعتدل في جلسته على المقعد فجأة.. ونظر مترددة.. ثم ابتلع ريقه وهو يقول في صوت مهزوز:
ــ ربما.. في أحيان كثيرة.. ولكن هذا لا يهم.. فكل أب في الدنيا من حقه أن يربي أولاده بالطريقة التي يختارها.. وكل الآباء يضربون أبنائهم..
ثم قفز واقفاً وهو يستطرد قائلاً:
ــ أعتقد أننا تكلمنا بما فيه الكفاية هذا اليوم.. أرجو المعذرة.. أريد أن أذهب..
وتركته يذهب بكل بساطة.. تركته يغادرني ومئات الأسئلة تطرق رأسي حائرة دون جواب.. وصورته لا تغادر عيني..
ماذا وراءه؟ مم يعاني هذا الشاب الفتى الممتلىء صحة وحيوية؟ ما العقدة التي تستقر في عقله الباطن وتنغص عليه حياته؟ ما الحادث الذي اعترض حياته وانتهى به إلى هذه الحالة النفسية التي تقوده للأنتحار؟
لماذا قفز فجأة من المقعد حينما سألته عن ضرب أبيه له؟ وإجابته الملتوية ودفاعه الصارخ عم حق أبيه في ضربه؟ وكأنه يهرب من السؤال ومن الإجابة.
أين تكمن عقدته يا ترى؟
لم أنم تلك الليلة.. ولا في الليالي التي تلتها.. حالة ذلك الشاب خالد الذي أسر كياني حيرني ومزقني خوفاً وهلعاً عليه.. فهي ليست حالة عادية بل حالة خطيرة وممكن أن تودي بحياته في أية لحظة..
ماذا لو فقد حياته قبل أن أتوصل لعلاجه؟ ماذا يحدث لي حينئذ؟ لابد أن أسرع في علاجه وأتخذ كافة التدابير والاحتياطات.. لابد أن أرى والته، فربما عن طريقها اكتشف الخيط الذي يقودني إلى عقدته وأحاول حلها..
قبل موعد الجلسة التالية بيومين اتصلت هاتفياً بخالد.. وهي ليست المرة الأولى التي أتصل فيها بمريض، فكثيراً ما ينقطع الخيط بيني وبين مرضاي مما يضطرني الاتصال بهم.
فمنهم المكتئب الذي يرغب بالتقوقع على نفسه بعيداً عن الأطباء النفسانيين.. ومنهم الذي يهرب بعقدته خوفاً من اكتشاف الطبيب لها في اللحظة الأخيرة.. والبعض يخشى من تعرية ذاته أمام الطبيب.. وغيرهم الكثير..
ولكن خالد كان حالة خاصة ليس لإحساسي الوجداني به فعيناه المعذبتين تدفعاني دفعاً لإنقاذه من دياجير الظلام التي يتخبط فيها..
قلت له بمرح:
ــ خالد.. أريد أن أرى والدتك وأتحدث معها إذا كان ذلك في الإمكان..
قال برجفة فضحها صوته:
ــ هل أحضرها في موعد الجلسة القادمة يا دكتورة؟ وهل وجودها ضروري؟
أجبته برقة:
ــ بالتأكيد وجودها مهم في خطة علاجك.. أرجو أن أراها في الجلسة التالية..
في موعد الجلسة التالية دخل خالد وبصحبته امرأة هزيلة تناهز الخامسة والخمسين من عمرها.. وخطها الشيب وترك الزمان بصماته على وجهها النحيل.. في عينيها هلع غريب وكأنها تخاف من كل شيء وأي شيء.. وكأنها شبعت رعباً وخوفاً وهلعاً..
قبل أن أتحدث معها بكلمة دونت في مفكرتي:
(
أم خالد.. امرأة خائفة.. خائفة حد الرعب )
دعوتها للجلوس وابتسامتي لا تفارق شفتي.. أردت بث الطمأنينة والأمان إلى نفسها المضطربة الخائفة..
طلبت من خالد أن يغادر العيادة على أن يعود بعد ساعة واحدة.. نظر إلى بتردد قبل أن يبتلعه الباب الخارجي..
قلت لها بود حاولت من خلال النفاذ إلى أعماقها:
ــ ابنك شاب مثقف ورائع..
غابت ابتسامتها السريعة وهي تقول:
ــ كان كذلك دائماً.. حتى.. حتى وقت حدوث النوبات كما يسميها خالد.. إنه..
ثم أجهشت بالبكاء.. اقتربت منها أشد على يديها بحرارة..
قالت من خلال دموعها:
ــ لا أدري لماذا يحاول خالد الانتحار؟ إنه شاب وسيم والمستقبل كله أمامه وأنا أفديه بعمري لو أراد.. ولكن.. لا أدري ماذا أفعل يا دكتورة.. إنني حقاً أتعذب..
قلت لها بهدوء:
ــ إذن ساعديني لننقذ "خالد" مما هو فيه.. إنه حقاً لا يدري ماذا يفعل.. ولكن إذا تعاونا معاً أنا وأنت أمكن أن نساعد خالد وننشله بإذن الله من هذه الأزمة..
أجابت وبقايا دموع عالقة بأهدابها:
ــ وماذا أستطيع أن أفعل؟
ــ نستطيع أنا وأنت فعل الكثير.. فكل ما أريده منك هو سرد ما تستطيعين تذكره من طفولة خالد..
كيف تزوجت والده.. كيف كانت ظروف ولادته.. طفولته.. نوعية حياتكم العائلية.. وهكذا..
خفضت بصرها إلى الأرض قبل أن تقول:
ــ كعادة أهلنا في هذه المنطقة، فقد تزوجت والد خالد وأنا لا أعرفه ولا أعلم عنه شيئاً ولا حتى صورته.. وفوجئت به بعد الزواج.. فقد كان قاسياً متزمتاً جافاً كعود الحطب.. كان يضربني بسبب وبدون سبب.. يئست من الوصول إلى قلبه أو حتى إلى طريق مشترك يجمعنا ببعضنا، فأهملته وأهملت نفسي وتفرغت لرعاية أولادي.. كل حبي ورعايتي وحناني أصبح لأولادي.. ولسوء الحظ والنصب، أنجبت ثلاث بنات على التوالي، مما أغاظ زوجي وفاقم الأزمة بيننا حتى أوشكنا على الطلاق.. ثم أنجبت "خالد" الولد الوحيد بين البنات.. كان رأسمالي في الحياة والورقة الوحيدة الرابحة في عش الزوجية التعيس.. كان مجيئه للدنيا بمثابة المنقذ الذي انتشلني مما كنت أتخبط فيه.. كنت أحبه أكثر من بناتي وأكثر من حياتي نفسها.. أحطته بحناني وحبي ورعايتي وأرضعته ثلاث سنوات كاملة.. حملت وأنجبت شقيقته التي تليه وأنا أرضعه.. حتى تزوج والده.. تزوج بامرأة أخرى غيري وأعادني أنا وأطفالي بدون فلس واحد إلى بيت والدي الذي لم يرض لي بكل هذا الظلم.. فتقدمنا للمحاكم ورفعنا عليه قضية نفقة ليرد لنا اللطمة بأخرى ويطالب بحضانة بناته الكبيرات اللاتي تعدين سن السابعة..
انحدرت دموعاً مرة على وجنتيها وهي تستطرد:
ــ وانتزع مني بناتي وكأنه ينتزع فؤادي.. انتزعهن قبل أن أودعهن الوداع الأخير.. فلم أكن أعتقد ولو للحظة بأنه سيحرمني منهن إلى الأبد..
وبكت بمرارة..
قلت لها بهدوء:
ــ وخالد ما موقفه..؟ وماذا كان يفعل إزاء كل هذه المشاكل بينك وبين والده؟
مسحت دموعها بظهر كفها وهي تقول وكأنها تتذكر:
ــ إنه غالباً يبقى هادئاً صامتاً ولا ينبس بكلمة..
قاطعتها:
ــ ولا حتى انفعال من أي نوع؟
كررت كلماتي ببطء:
ــ ولا حتى انفعال من أي نوع..
ثم لمعت عيناها فجأة وأردفت بعد هنيهة صمت:
ــ إنه أحياناً يندفع خارجاً من البيت وكأنه يهرب من شيء ما..
سألتها:
ــ ومتى كان يحدث هذا؟
أجابت بهدوء:
ــ لا أدري.. ولكن أعتقد أنه بعد أن يراني أبكي بشدة يفعل هذا.. وقد كان هذا سابقاً.. ولا..
قاطعتها بسرعة:
ــ ولما أصبح شاباً تغيرت حالة الهروب هذه إلى نوبات.. بمعنى أنه عندما يراك تبكين بقوة بدلاً من أن يهرب من البيت كالسابق عندما كان طفلاً فأنه يحاول أن يقتل نفسه بغير إرادته.. هل هذا صحيح؟
نهضت من مقعدها لتواجهني بعينيها الخائفتين:
ــ ما معنى هذا يا دكتورة..؟
ألقيت بنفسي على مقعدي متثاقلة وأنا أقول:
ــ لا أدري.. حقاً.. مازلت حتى الآن لا أدري.. ولكن هل تتذكرين بالضبط ماذا حدث في نوبته الأولى.. أول نوبة تحدث له؟
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بصوت متهدج:
ــ كنت مستلقية في سريري أحاول عبثاً النوم حينما اقتحمت حجرتي ابنتي الصغرى صارخة:
ــ أمي.. أسرعي.. خالد يحاول الإنتحار..
أسرعت إليه بدون شعور بينما انطلقت شقيقته لتبلغ خالها في الجوار.. تحلقنا حوله نحاول انتزاع سلك المدفأة من بين يديه الذي كان يلفه حول عنقه بإحكام شديد وكأنه يود الخلاص من حياته..
بعد محاولات عدة وبكاء وصراخ، فتح عينيه فجأة، وكأنه يفيق من حلم مزعج.. عاتبناه على فعلته.. نظر إلينا بدهشة شديدة وأنكر أنه يحاول الانتحار ثم بكى منهاراً وهو يقول بأنه لم يكن يدري ما يفعل..
قلت لها فجأة:
ــ وكيف كانت هيئته حينذاك.. أقصد حينما كان يحاول الانتحار؟
أغمضت عينيها كمن يحاول التذكر.
قلت لها هامسة:
ــ أرجوك تذكري.. فالأمر مهم..
عمّّ الصمت أرجاء الحجرة لعدة ثوان قبل أن تهتف فجأة:
ــ نعم.. نعم تذكرت.. كان وجهه محتقناً بشدة وعيناه محمرتين وكأنه قد شبع من البكاء.. وقد كان خائفاً.. نعم نعم.. لقد كان خائفاً جداً وكأنه يهرب من وحش يطارده.. كان السلك يلتف حول عنقه وهو يتلفت بخوف باحثاً عن شيء ما.. لماذا يا دكتورة؟
كتبت في مفكرتي دون أن أجيب:
(
يهرب من شيء ما يرعبه.. تمكن عقدته في الخوف من شيء ما )..
اقتربت منها بهدوء وأنا أقول:
ــ سؤال أخير يا أم خالد.. أرجوك أن تتذكري بالضبط.. ماذا حدث لك في ذلك اليوم الذي حدثت لخالد فيه النوبة.. لماذا كنت تبكين بشدة؟
نظرت إلي بسرعة.. ثم نكست رأسها وصمتت.. طال صمتها حتى اعتقدت أنها لن تجيب عن سؤالي..
أخيراً قالت بصوت جاف:
ــ لم أنس بناتي طوال تلك السنوات حتى وإن نسيهن من حولي.. كنت أنام كل ليلة وصورتهن بين أحداقي.. كنت أتساءل بالسر والعلن عن مكان وجودهن.. وقبل أن تحدث لخالد النوبة الأولى بأيام صادفت امرأة تعرفني منذ أيام زواجي الأولى فقد كانت قريبة لزوجي من بعيد.. تعلقت بها كما يتعلق الغريق بقطعة خشب طافية على الماء.. عرفت منها أن اثنتين من بناتي قد تزوجن وإن كانت لا تعرف على وجه التحديد أين يقيمان والثالثة ما زالت باقية عند أبيها وزوجته وأولاده..
حاولت أن أحصل منها على العنوان لكنها لم تكن تعرفه.. كل ما أخذته منها هو رقم هاتف منزلهم.. عايشت صراعاً مريراً مع نفسي حتى انتصرت عاطفتي على كرامتي وبقيت إرادة الأم هي الأقوى..
لم يكن يجيب على الهاتف سوى زوجي السابق.. لذلك رجحت بأن هذا الرقم ربما يكون هاتف المكتب أو العمل..
في ذلك اليوم البائس حادثته.. رجوته أن أرى ابنتي أو الأخريات.. عنفني وبصق في وجهي.. ذكرته بأولاده الباقين هدى وخالد.. وما أن نطقت بإسم خالد حتى صرخ بشدة:
ــ فلتشبعي به.. أنني لا أريد أن اعرفه ولا أن أراه..
وأغلق سماعة الهاتف في وجهي..
فأجهشت في بكاء مرير.. ودخل خالد.. كان قادماً من الجامعة متعباً.. منهمكاً.. أخبرته بما حدث.. ولم يعلق بكلمة.. دلف إلى حجرته بصمت وأنا غارقة وسط دموعي الحارة.. ثم حدث ما حدث..
دونت في المفكرة:
(
النوبات تحدث له بعد مواجهة صريحة مع ماضيه.. مع والده على وجهه التحديد.. شيء ما يخيفه من والده )..
قلت بصوت ناعم:
ــ لقد أتعبتك اليوم يا أم خالد.. ولكن أرجو أن تخبريني هل كان والد خالد يضربه؟
اختلجت شفتاها بقوة واهتزت رموش عينيها.. قالت بعد جهد.. وكأنها تهرب من الإجابة:
ــ نعم..
لاحقتها بالسؤال:
ــ هل كان ضرباً مبرحاً؟
أجابت بحسم وكأنها تنهي الموضوع:
ــ نعم.. ولكن ما علاقة ذلك بالموضوع؟
فاجأتها بسؤالي:
ــ أم خالد.. لماذا أنت خائفة؟
ارتعدت أوصالها بعنف.. وكأن قشعريرة باردة قد تخللت جسدها المنهمك.. شرد عيناها.. أجابت بشردود:
ــ إنني خائفة على ابني.. خائفة على خالد..
ثم استطردت بعد أن استجمعت شتات نفسها:
ــ أرجوك يا دكتورة حاولي أن تنقذيه..
شددت على يدها بحرارة وأنا أعدها بكل خير..
خرجنا من الحجرة لأجد خالد يذرع غرفة الاستقبال جيئة وذهاباً..
ابتسم قائلاً حين رآنا معاً:
ــ هل انتهيتما من الحديث عني؟
بادلته الابتسامة وأما أهمس:
ــ لا تنس يا خالد.. أرجو أن تعود إلي بعد ثلاثة أيام.. اتفقنا..
وغادرني متأبطاً ذراع والدته أو على الأصح هي المتشبثة به وكأنه سيغادرها إلى غير رجعة..
عدت إلى حجرتي وأنا أمسح دموعي الكثيرة.. جاءني صوت الممرضة حانياً:
ــ أنت عاطفية يا دكتورة.. ستتعبين كثيراً إذا لم تفصلي بين عملك كطبيبة.. وبين أحوال الناس ومآسيهم..
ابتسمت ظاهرياً وأنا ابتلع غصة.. إنها لا تدري ولن تدري بأن خالد هو جزء لا يتجزأ من حياتي.. إنه حسن يعود في صورة أخرى.. وليته لم يعد..

عشت أياماً كئيبة وأنا أغوص في أمهات الكتب بحثاً عن حالة مشابهة لحالة خالد.. ولكن عبثاً كنت أحاول..
خالد حالة خاصة متفردة بذاتها لا يشبهها شيء حتى بالنسبة لي شخصياً.. فهو قد أيقظ نفسي التي ماتت وشبابي الذي دفنته بين المرضى.. وجوده أعاد لي إحساسي بالحياة رغم إصراري على فصل عالمه عن عالمي وألا تطغى شخصيتي الأنثوية على عملي كطبيبة..
كنت أؤكد دائماً لنفسي أن حسن مات ولن يعود وأن خالد مجرد صورة.. صورة منه..
تتراءى لي صورته.. صورة خالد باستدارة وجهه وشاربه الأسود الخفيف وعينيه المملوءتين حزناً ودموعاً.. شملتني تعاسة تامة فكيف أنتشله مما هو فيه.. كيف؟
تذكرت والده.. والد خالد.. وهو المحطة الأخيرة التي يجب أن أصل إليها.. الضرورات تبيح المحظورات.. ووالد خالد ضرورة بعد أن سدت السبل في وجهي وأصبح خالد المشكلة الوحيدة في حياتي.. فرغم أن كل شيء واضح أمامي إلا أن عقدته الأساسية ما زالت غير مرئية وتغيب في دهاليز ذاكرته..
ولكن كيف أصل لوالده وبيننا عشرات مئات العراقيل.. أولها أن الأب يحاول إنكار وجود ولده خالد، وليس آخرها إنه رجل متزمت ذو عقليه متحجرة كما سمعت عنه..
ولكنني لم أيأس وطمأنت نفسي بأنني حتى لو فشلت في مهمتي فيكفيني شرف المحاولة..
قررت أن أبحث عن والد خالد بمعزل عن ولده.. فلا أريد لخالد أن يعرف أي شيء عن هذا الموضوع.. فربما تعاوده حالاته المرضية التي تشتد بقوة حينما يتذكر والده.. وطفقت أبحث في دليل هاتف المنطقة حتى عثرت على ثلاثة أرقام للإسم نفسه..
اتصلت بالرقم الأول ليرد علي عامل آسيوي أخبرني بلغة متعثرة بأن أصحاب المنزل قد انتقلوا إلى منزل آخر.. وأنه لا يعرف لهم عنوانا أو رقم هاتف..
حاولت بالرقم الثاني ليأتيني الإحباط مضاعفاً، فقد أجابتني امرأة بأن صاحب هذا المنزل قد توفى منذ عشر سنوات وأن لا أولاد له..
ورقم الهاتف الثالث كان يرن بلا مجيب.. أعدت المحاولة مرات ومرات بدون أية فائدة..
ألقيت برأسي على سريري غارقة في لجة من الأحزان، تطالعني صورة حسن بطلعته البهية لتزيد من حزني وآلامي..
رباه كيف أساعد خالد.. كيف أنقذه من مخالب هذا المرض المخيف الذي يحاول الانقضاض عليه في أية لحظة..
لماذا تنغلق الأبواب في وجهي ولا أقبض إلا السراب..
وفجأة خطر لي خاطر.. لماذا لا يكون رقم الهاتف الثالث خاص بمكتب أو شركة لا تتواجد إلا في الصباح فقط..
فرحت لهذا الخاطر وقضيت ليلة مسهدة في انتظار طلوع الصباح..
وفي العيادة كررت الاتصال بالرقم نفسه ليرد علي صوت أجش سألته فيما إذا كان هو والد خالد..
تغيرت لهجته في الحال وقال لي بخشونة:
ــ من أنت وماذا تريدين؟
بصوت رقيق أفهمته بأنني طبيبة خالد وأحاول مساعدته ويجب أن يحاول هو كذلك مساعدتنا..
قال بأنه لا يعرف "خالد" ولا يريد أن يعرفه.. أمنته على كلامه، ولكنني أخبرته صراحة بحرج وضع ابنه وأنه يجب أن يساعدني وليس من الضروري بأن يرى أبنه..
قال وقد نفد صبره:
ــ وماذا تريدين بالضبط؟
ــ أن تحضر لعيادتي لألقي عليك بعض الأسئلة..
صرخ بقوة:
ــ أنا لست مجنوناً لأزور عيادات نفسية.. إذا كان لديك أسئلة فأخبريني بها حالاً..
وقررت بسرعة بيني وبين نفسي بأن ألجأ للتهديد.. فإن هذا الرجل على ما يبدو لا يجدي معه اللين، فكلما ازددت هدوءاً ازداد هو حقدة وعنفاً، فأيقنت أنه من ذلك الصنف الذي فقد كل شيء مع أبوته وما إمعاني له بالتوسل إلا نوع من الإذلال تأباه نفسي وكرامتي ولا يزداد معه إلا تعنتاً وطغياناً.. قلت له بسرعة:
ــ أتعلم بأن رفضك التعاون مع الأطباء يعد مخافة تعاقبك عليه السلطات المختصة؟
صمت لحظات وكأنه يبتلع ريقه قبل أن يقول بصوت بالغ الهدوء:
ــ إنني لم أرفض التعاون معك، ولكنني خشيت أن يراني الناس أتردد على العيادة النفسية فيعتقدونني مجنوناً..
ابتسامة نصر اعتلت شفتي وأنا أقول:
ــ اطمئن لا يستطيع أحد أن يقول عنك مجنوناً.. ولا حتى ابنك خالد.. ولكن صدقني أنا في حاجة إليك..
قال باستسلام:
ــ غداً العاشرة صباحاً.. لن أستطيع الحضور بعد الظهر على الإطلاق..

قلت بهدوء:
ــ حسناً فلتكن العاشرة من صباح الغد..
نبض قلبي بجنون حينما وقع بصري على والد خالد لأول مرة.. إنه نسخة منه.. نسخة طبق الأصل.. بل خالد نسخة من والده.. الأنف الروماني الدقيق ذاته واستدارة الوجه العجيبة.. الشفتان نفسهما المملوءتان قرفاً واشمئزازاً..
وكأن خالد أمامي وقد أضيف لعمره عشرون سنة على الأقل..
رباه.. لماذا ينكر الأب أبنه وهو نسخة مكررة منه، لماذا يكرهه ويرفض مرآة وهو أبيه من صلبه؟ لا بد أن هناك نقطة ما تغيب عني.. لا بد أن في الأمر سراً..
حييته بابتسامة، ولكنه كان يشبك يديه بعصبية وينظر إلى ساعته بين فينة وأخرى وكأنه متعجل..
قلت له بصوت حاولت جهدي أن ينفذ إلى أعماقه:
ــ ألا تريد أن تعرف مرض خالد بالضبط..
قال ورموشه تهتز فوق عينيه:
ــ هذا موضوع لا يهمني.. أرجوك يا دكتورة ألقي علي ما تشائين من أسئلة بسرعة لأني متعجل..
أطرقت برهة أفكر.. إن دوري كطبيبة لا يقتصر على معالجة النواحي النفسية في المرضى فقط.. بل يتعدى الأمر إلى النواحي العائلية.. إلى كل شيء يساعد المريض على استعادة توازنه الذهني والنفسي حتى لو اضطررت إلى بحث القضايا العائلية التي لا شأن لي فيها.. لتسليط الضوء عليها وربما للم الشمل فيما بعد..
قلت له بهدوء:
ــ أتدري أن "خالد" يشبهك كثيراً..
اشتعلت عيناه بغضب مكتوم وهو يقول:
ــ هل هذا أحد الأسئلة؟
ثم أردف بحدة:
ــ دكتورة لا أملك من الوقت إلا عشر دقائق وبعد ذلك أنا مضطر إلى الاستئذان..
واجهته بالحدة نفسها:
ــ لماذا كنت تقسو على خالد في طفولته..
بوغت.. نظر إلي بدهشة,, تم تمالك نفسه وقال بصوت عميق:
ــ هل تريدين الحقيقة.. أمه هي السبب.. كانت تحبه بجنون وتدللـه بشكل غير طبيعي وتغرقه بحبها وحنانه دوناً عن بقية أخواته البنات.. حتى هو ابتدأ يتعلق بها بجنون ويبتعد عني شيئاً فشيئاً، حتى بت أعتقد أنه يكرهني وخاصة بعد أن تزوجت بأخرى غير والدته.. يبدو أنها كانت هي التي تحرضه ضدي وتبعده عني.. إنها هي السبب.. إنها هي السبب في كل شيء..
قلت له بصوت بارد:
ــ وهل كان هذا هو السبب الوحيد؟
احتقن وجهه بشدة.. نظر إلي بغضب وهو يقول:
ــ ماذا تقصدين بالضبط؟
ألقيت برأسي إلى الوراء وأنا أقول بارتياح شديد:
ــ أقصد أنه ربما يكون هناك سبباً آخر تكره خالد من أجله.. ربما أنت لا تحب الأولاد مثلاً وتفضل عليهم البنات..
هز رأسه بعنف وهو يقول:
ــ أبداً.. على العكس من ذلك عشت طوال عمري أمقت البنات، فقد عشت وحيداً مع تسع بنات هن أخواتي.. وعائلتي بأسرها لا تنجب سوى البنات، فأختي الكبرى لديها سبع بنات وأختي التي تليها لها العدد نفسه من البنات.. ويتفرق عدد البنات بين بقية أخواتي بين خمس وأربع واثنتين.. مما سبب لي أزمة نفسية كبرى خاصة عندما أنجبت زوجتي ثلاث بنات على التوالي، فألقيت يقيناً تاماً بأنني لن أحصل على الولد طوال حياتي وتقبلت حياتي على هذا الأساس.. وفجأة أنجبت زوجتي "خالد" الولد الوحيد في العائلة بأسرها.. المفاجأة أرعبتني وعكست ردة الفعل لدي فبدلاً من الفرحة الزاعقة التي من المفروض أن أشعر بها حدث لدي حزن عميق، وكأن هموم الدنيا قد اجتمعت فوق رأسي لدرجة أن الدموع عرفت طريقها إلى عيني ولأول مرة في حياتي.. كرهت هذا الولد ونفرت منه بشكل غريب لم أعهده قبلاً خصوصاً مع تزايد تعلق والدته به وحدبها عليها وعنايتها الشديد به.. ولما عنفتها مراراً على تفضيلها إياه على بناتي بهذه الطريقة، اتهمتني بأنني أغار منه وأنني أريد لنفسي أن أظل دائماً الرجل الوحيد في العائلة.. إنها لا تفهم وهي سبب في كل شيء..
بعد أن أنهى الأب كلماته.. أطرقت مفكرة.. لقد فهمت جزءاً من العقدة التي تحيل حياة خالد إلى جحيم لا يطاق.. فهمت أن والده مصاب بما يشبه المرض النفسي ويكره ابنه من جراء ذلك، فهو اعتاد على كونه الذكر الوحيد بين مجموعة من الإناث ويصعب عليه تقبل وجود ذكر آخر حتى ولو كان ابنه الذي انتظره طويلاً.. إنه مريض ويستحق الشفقة..
نظرت إليه بإشفاق وأنا اسأله:
ــ وهل أنجبت أطفالاً من زوجتك الجديدة؟
أجاب بسرور حاول إخفاءه:
ــ نعم لقد أنجبت منها ثلاثة بنات..
لم استطع مقاومة نفسي فسألته بدهشة:
ــ ألا تحتاج إلى رجل يؤازرك في عملك وفي رعاية بناتك؟ ألا تحتاج إلى ابنك الوحيد؟
أشاح بوجهه وقد عادت إليه عنهجيته وهو يقول:
ــ أنني لا أريده.. فلتشبع أمه به..
أطرقت لحظات أفكر بالأمر.. وقد تملكني اليأس من كل الجهات.. الأب يعاني من عقدة نفسية، وينكر ابنه، ولا يريد أن يراه، والأم ضعيفة خائفة لا حول لها ولا قوة.. والإبن ضائع بينهما، يموت في اليوم ألف مرة، ويعاني من خوف رهيب يكاد يقضي علي حياته في أية لحظة..
هل أقف هكذا مكتوفة الأيدي.. لم أخرج مع لقائي مع الأم بشيء.. ولقائي مع الأب يكاد ينتهي دون أن أخرج منه بفائدة ترجى..
أعدت النظر إلى أوراقي.. وفجأة خطرت لي فكرة غريبة تنطوي على مخاطر قد أستفيد منها بشيء وإلا ضاع كل شيء..
فكرت بسرعة.. إن حياة خالد ومستقبله وشبابه يستحقان مني هذه المقامرة وليكن ما يكون..
تململ أبو خالد في مقعده.. ووقف متأهباً للمغادرة قائلاً:
ــ أعتقد أننا قد انتهينا.. استأذن أنا..
قلت له بصوت قوي، وقد عقدت العزم على تنفيذ ما فكرت به:
ــ انتظر لحظة يا أبو خالد.. إنك لم تقل لي كل شيء.. فقد بقي لي سؤال واحد أو على الأصح استفسار.. إنك لم تقل لي مثلاً لماذا حاولت قتل ابنك خالد؟
تسمر في مكانه لحظات.. وقف يحدق بي كالمصعوق.. ارتجفت يداه بشدة.. وتهاوى على مقعدة باستسلام.. وأخيراً تمالك نفسه.. سألني بحقد والشرر يتطاير من عينيه:
ــ هل أخبرتك بذلك.. أليس كذلك؟
وقبل أن أعي ما يتطلبه هذا الموقف مني.. أردف بصوت متداع ونبرة من الحزن تغلف كلماته:
ــ إنها هي السبب في كل شيء.. فلم أكن أقصد قتله.. أبداً لم اقصد.. وهل من المعقول أن يقتل أي إنسان أو حتى حيوان ابنه؟
وقفت صامتة ولم أحر جواباً.. وماذا أقول لهذه الصدمة غي المتوقعة.. لقد كان الأمر مجرد استنتاجاً من الممكن أن يصيب أو يخيب.. كنت قد فكرت بكل الاحتمالات التي من الممكن أن تجعل شاباً مثل خالد يخشى من أبيه ويخافه ويتعلق بأمه هذا التعلق الطفولي، ثم أنه كان يتحاشى الحديث عن ضرب والده له، وحتى والدته كانت ترهب الجانب من الحديث، وتهرب منه.. فطرأ لي هذا الطارىء الغريب الذي ما لبث أن أصبح حقيقة واقعة من المذهل أن تكون هي الحلقة المفقودة التي أبحث عنها..
خرج صوتي جافاً مبحوحاً وأنا أقول له:
ــ تقصد أم خالد..
هتف بشدة:
ــ ومن غيرها تسبب في تدميرنا أنا وأولادها..
حاولت اجتراه للحديث أكثر وأكثر:
ــ صدقني يا أبو خالد.. أم خالد لم تقل لي أي شيء عن هذا الأمر..
قال وهو يرمقني بريبة:
ــ ومن قال لك إذن؟
أجبته بهدوء:
ــ لم يقل لي أحد شيئاً عن هذا الموضوع.. كان مجرد استنتاج أكدته أنت بكلامك.. ألم تلحظ أنني قلت لك في صيغة سؤالي " لم تقل لي مثلاً لماذا حاولت قتل ابنك خالد" إنني قلت مثلاً ولم أؤكد..
انتصب واقفاً وهو يقول:
ــ لقد أمضيت هنا في عيادتك ما يقارب الساعة وقد اتفقنا على عشر دقائق.. آسف فأنا مضطر للإنصراف..
لم أستقبله أكثر من ذلك.. فيكفيني ما عرفته منه.. ما كنت أحسب أنني سأتوصل لهذا الاكتشاف المثير..
بقي أن أعرف تفاصيل هذه الحادثة.. وكيف حدثت.. ولماذا؟ لأتمكن من التوصل لعلاج خالد العلاج الشافي والنهائي بإذن الله..

لم يكن أمامي سوى أم خالد.. هي الكائن الوحيد الذي سيوضح لي ما غمض لي فهمه، ولم أتراجع أو أتردد..
اتصلت بخالد هاتفياً.. جاءني صوته المرتجف:
ــ أهلاً يا دكتورة..
قلت له بمرح:
ــ يبدو أنني قد تعلقت بالسيدة والدتك، فأنني أرغب في رؤيتها مرة أخرى لو كانت تود ذلك..
أجابني بفرحة أخافني مصدرها:
ــ بالطبع.. بالطبع يا دكتورة سأحضرها لك في أي وقت تريدينه..
أغلقت سماعة الهاتف بعد اتفقنا على الخامسة من مساء الغد.. أعادني صوت خالد إلى صورة الحبيب الراحل حسن.. امتلأت عيناي بالدموع وغرقت الحجرة الكئيبة بالصمت الحزين، حتى علا صوت نشيجي بعد لحظات..
بكيت كما لم أبك من قبل.. ترى هل أحسست بقرب انتهاء مهمتي من علاج خالد ووداعي له بعد ذلك؟ وماذا يعني لي ذلك؟
كان يجب ألا يعني لي شيئاً وداع مريض كائن من كان.. كانت رفقة لمصلحة المريض ثم يذهب كل منا في طريق بدون عذابات أو جراح أو ارتباطات من أية نوع..
فأي مريض يكون في فترة ضعف أثناء مرضه، خاصة المريض النفسي.. يتقبل فيها كل شيء ويتعلق فيها بأي شيء..
ترى هل بدر مني ما شجع خالد على الاقتراب وجدانياً؟
هل رأى في عيني نظرة أو لمح في وجودي إحساساً أو عكست له ملامحي يوماً ما شيئاً مما يعتمل داخلي..
ترى هل نجحت فترة علاج خالد في فصل عملي كطبيبة ومعالجة نفسية عن عواطفي ومشاعري كأي امرأة أخرى في هذه الدنيا؟
لأن أي تفكير آخر في هذا الموضوع من الاستحالة بمكان أن يتحقق..
فحتى لو أحبني خالد.. فلن أقبل حبه، لأنه سيكون حباً مؤقتاً بطبيعة الحال، وحالما يستعيد نفسه وقوته النفسية والمعنوية فسيكرهني بالتأكيد.. لأنني أعلم ما لا يعلمه غيري.. أعلم ما يخجل بذكره أمام الناس.. أعلم نقاط ضعفه وقوته.. وأي إنسان بالعالم لا يرغب في أي يكون مكشوفاً أمام الآخرين فما البال برجل وشاب في بداية تفتحه للحياة.. وفي فترة تكونيه لشخصيته المستقلة..
وماذا عن نفسي أنا الأرملة والأم لطفل في العاشرة من عمره.. المسحوقة بالعذاب.. ذات القلب الممتلىء صديداً ومرارة ودموعاً.. كيف أربط حياتي بحياته.. كيف أتوق لمعانقة المستحيل.. ومجافاة الواقع الأليم..
سأدعه لحياته وشبابه وسأجهض أية محاولة له للتقرب مني.. إن حسن الراحل شيء وخالد شيء آخر.. حسن هو حبي الأول والأخير.. ولن يحتل مكانه آخر في قلبي حتى الممات.. إنه هو الأصل.. هو الأصل دائماً.. وخالد ما هو إلا صورة ممزقة عنه.. صورة يجب أن أنزعها من أعماقي لتعود لحياتي سكونها وروعتها.. ويعود هو لحياته الصاخبة وشبابه الواعد ومستقبله الزاهر.. لن أربط حياتي بحياته..
وفي الغد استقبلت أم خالد ببشاشة.. ولم تفتني نظرة الخوف التي تسكن عينيها بصفة دائمة..
سألتني برهة:
ــ ألم يحدث أي تقدم في علاج خالد؟
ابتسمت في وجهها بحرارة وأنا أقول:
اطمئني يا أم خالد.. أياما قليلة ويعود لك خالد كما عرفته دائماً.. ولكنك لم تخبريني كل شيء عن خالد..
برقت عيناها الصغيرتان بوميض غريب وهي تقول:
ــ وعن ماذا تريدين أن أخبرك؟ لقد حكيت لك كل شيء..
فاجأتها بسؤالي:
ــ ولكنك لم تحكي لي عن محاولة والد خالد قتله..
تلفت حولها في ذعر، وكأنها تخشى أحداً سينقض عليها.. ثم تراخت على مقعدها وهي تنتفض بشدة.. وحالما استعادت هدوءها طلبت مني كوباً من الماء.. بعدها ران صمت عميق في الحجرة لا يقطعه سوى تنهداتها الحارة..
أدركت إنها تعاني بشدة، فلم أشأ إزعاجها بكلامي.. حتى قطعت الصمت بقولها:
ــ لقد مر زمن طويل على هذه الحادثة.. فنسيتها أو على الأصح حاولت نسيانها، لأنها تمثل لي أمراً مزعجاً لا أحب تذكره على الإطلاق..
فقد كثرت خلافاتنا أنا وأبو خالد حول خالد وطريقة رعايتي وتدليلي له، وذات يوم وخالد يبلغ من العمر حوالي ثلاث سنوات أو يزيد قليلاً، حدثت مشادة كبرى بيني وبين والد خالد فقام بضربي بكل ما تقع عليه يداه ثم جذبني من شعري ليلقيني أرضاً ويركلني بقدميه..
لكن خالد الصغير الذي كان يتفرج على هذا المشهد أسرع إلى والده يحاول ضربه بحذاء كان في يده صارخاً فيه أن يبتعد عني..
وفوجئنا جميعاً ذلك اليوم المشئوم بالأب وهو يكاد يجن غضباً، يحمل "خالد" وهو يهدر بقسوة: سأقتله.. سأقتل هذا الولد.. قسماً بربي سأقتله..
وأسرعت وراءه لأجده فعلاً يقوم بسكب البنزين على رأس الصغير ويحاول إشعال النار فيه، ولما حاولت إنقاذه من بين يديه استل سكيناً كبيرة كانت في المطبخ وقتذاك.. وهددني بذبحة أمام عيني إذا لم أبتعد عنهما..
ولما أعيتني الحيل بكيت بعنف وأنا أقبل أقدام أبا خالد راجية منه أن يهدأ ويفكر بالأمر بروية.. وسأكون خادمة له طوال العمر..
وما أن انقضت لحظات على بكائي وعويلي حتى أسقط ابنه أرضاً وأسرع خارجاً من البيت..
صمتت أم خالد.. صمتت ولكن دموعها تحدثت.. إنها تبكي.. تبكي لذكرى ذلك اليوم المفجع.. إنه حقاً يوم أسود يصعب أن ينمحي من الذاكرة أو الوجدان، فكيف بعقلية طفل دون الرابعة يعيش المخاوف الطبيعة كغيره من الأطفال في هذه السن الحرجة..
مسكين أنت يا خالد.. إن في أعماقك وحشاً كاسراً اسمه القتل يكاد ينقض عليك في أية لحظة..
تندت عيناي بالدموع على الرغم مني.. وحاولت جاهدة أن أتمالك نفسي وأنا اسأل أم خالد:
ــ وكيف كان موقف خالد ذلك اليوم؟
قالت بصوت متهدج:
ــ أتقصدين وقت الحادث.. أنني لم أنس منظر خالد ذلك اليوم ما حييت.. كادت عيناه تخرجان من محجريهما خوفاً ورعباً، وكان يبكي.. ووجهه محتقناً بشدة.. وشفتاه زرقاوان.. لم ينم تلك الليلة، بقي ساهراً حتى وقت متأخر رافضاً شتى إغراءاتي له لينام.. وعندما نام كان يصرخ بين الفينة والأخرى، وكأنه يعاني من شيء مزعج يقض عليه مضجعه..
تمتمت وكأنني أحادث نفسي:
ــ أي الحالة نفسها والتفاصيل نفسها عد أنه في الحالة الأخيرة يكون هو الساعي لقتل نفسه وليس أباه..
مسحت الأم دموعها الكثيرة وهي تقول:
ــ إنه لا يستحق أن يكون أباً.. إنه رجل قاس بلا رحمة أو شفقة.. إنني أنأى بخالد أن يكون ابناً لذلك الرجل..
حاولت تهدئة نفسها المضطربة من جراء إعادة الذكرى الموجعة لذلك اليوم الكئيب..
وقبل أن تغادرني صافحتها بحرارة وأنا أؤكد لها كلماتي:
ــ كما اتفقنا يا أم خالد.. لمصلحة ابنك أرجو ألا تحدثيه عما دار بيننا من حديث على الإطلاق خاصة تلك الحادثة..
أقبل خالد وهو يبتسم بوداعة.. نبض قلبي بجنون وأنا أحاول الثبات باستماتة، لا أدري هل حادثه طفولته قد تركت أثراً في يبتسم الابتسامة نفسها.. رباه.. لا..
قلت له بثقة حاولت التشبث بها..
ــ أراك غداً في الموعد نفسه..
حدق بوجهي لحظات قبل أن يقول:
ــ حسناً دكتورة.. إلى اللقاء غداً..
واصطحب والدته التي بدت وكأنها قد تقدم بها العمر عشر سنوات أخرى.. أكثر شحوباً وأكثر هزالاً وأعمق حزناً..

 

ما أن نهضت من النوم صباحاً حتى فوجئت بهاتف من أم خالد.. جاءني صوتها المضطرب:
ــ أسرعي يا دكتورة.. خالد.. لقد عاودته النوبة.. إنه يحاول قتل نفسه..
ارتديت ثيابي على عجل وعشرات الأفكار تدور في رأسي.. وعرفت الدموع طريقها في عيني، وأنا أفكر ترى هل نجحت محاولته هذه المرة وقتل نفسه.. قتل نفسه قبل قبل أن أنقذه..
تمتمت بدعواتي إلى الله أن يحميه..
استقبلتني أم خالد على الباب جازعة.. سألتها بقلق.. :
ــ أين خالد؟
أشارت إلى أحد الأبواب في صالة الاستقبال الفسيحة.. كان الباب موارباً.. دخلت وأنا أرتعش..
فوجئت بهيئته العامة.. فقدت عيناه بريقهما المحبب، واتسعت حدقتهما خوفاً ورعباً.. كان وجهه أحمراً ملتهباً والعرق الغزير يغرق وجهه ويبلل صدره.. كلا.. إنه ليس عرقاً..إنها دموع.. دموع خوف ورجاء وتوسل.. إنه يبكي ولا يدري علام يبكي.. إنه في قمة معاناته النفسية.. في قمة عقدته ومأساته..
رأيت شقيقته إلى جانبه تبكي وقد مسكت بزجاجة دواء أخفتها بين طيات ثيابها..
أشارت إلى الزجاجة بحزن قائلة:
ــ إنه يحاول الانتحار..
التفت بغتة لي.. والتقت عيناه الخائفتان المهزوزتان بعيني الثابتة القوية.. ركزت نظراتي في عينيه وكأنني أثبت له بأنني رأيته في هذه الحالة..
وهذا شيء معروف في الطب النفسي.. فكثير من الأخصائيين يحاولون الوقوف على نقطة الضعف التي تمر بمرضاهم.. يحرصون أن يروهم في تلك الحالة وأن يتأكد المريض بأن الطبيب قد رآه في حالته تلك، وهذا هو الأهم كي يستسلم المريض تماماً لطبيبه، ويساعده ذلك على دفع العقدة التي تحتل عقله الباطن إلى التحرر، فتطفو على السطح ليعيها العقل ويشعر بتفاهتها وبساطتها فيحل السلام الداخلي ويشفى المريض..
وقد حققت هدفي رآني خالد وقد رأيته وهو في قمة عجزه وضعفه ومرضه..
اكتفيت بهذا وقلت له بصوت آمر:
ــ اليوم الساعة الخامسة عصراً..
أشار برأسه علامة الموافقة دون أن يتكلم.. خرجت إلى الصالة واجهتني الأم حزينة ملتاعة.. قالت لي ودموعها تلهب خديها:
ــ أرأيت يا دكتورة.. لا فائدة.. أنه يحاول الانتحار مجدداً، ولكن حمداً لله أنني أنقذته قبل أن يقتل نفسه بتلك الأقراص..
سألتها بهدوء:
ــ ولكن ماذا حدث؟.. لماذا حاول قتل نفسه هذه المرة؟
نكست رأسها بخجل وهي تقول:
ــ أعذريني يا دكتورة فبعد حديثنا مساء أمس.. خفت أن تفاجئيه بحقيقة حالته كما أخبرتيني، فيحدث له شيء لا قدر الله.. فحاولت التمهيد له بنفسي..
وحينما رأت علامات الاستياء على وجهي أردفت بسرعة:
ــ ولكن صدقيني يا دكتورة.. لم أتطرق لتلك الحادثة لا من قريب ولا من بعيد.. فقط اجتمعت به وبأخته وحاولت الحديث معهما عن الذكريات القديمة لحياتنا في منزل أبيه ولم ألحظ عليه سوى الانزعاج فقط لا غير..
دكتورة أرجوك ألا تحكي له شيئاً عن تلك الحادثة فربما يقتل نفسه بالفعل.. إنه لا يحتمل شيئاً.. صدقيني.. إنه لا يحتمل..
امتدت يدي لتربت على كتفها بحرارة وأنا أهمس:
ــ اطمئني يا أم خالد.. لن أفعل شيئاً يؤذي "خالد" على الإطلاق.. أرجوك أن تطمئني لكن لا تحاولي نبش الذكريات معه من جديد.. أرجوك..
وخرجت بسرعة.. لكنني لم أستطع إغماض عيني كعادتي في القيلولة.. مئات الأفكار تجول برأسي لم تكن تحيرني مقارنة بزوجي الراحل حسن، فقد محوت كل هذا من عقلي وقلبي ولم أعد أفكر بهذا الموضوع على الإطلاق..
كان ما يحيرني ويشتت تفكيري هو هذه العقدة التي تمكنت من خالد ومضت كالسوس تنخر في نفسه حتى لتكاد تقضي على حياته..
هل سيتحمل مواجهتي له بالحقيقة أم سيجزع ويهرب؟ ولكن أين؟ لينتحر مرة أخرى.. لا.. لن أسمح بهذا.. سأدعه هو ينطق بها.. هو من سيحكها لي لا أنا.. هو من سيتعذب بالحروف قبل أن ينطقها.. وعندها إن شاء الله سيشفى..





استقبلت خالد كعادتي كل يوم.. ولكنه هو لم يكن كعادته دائماً.. كان مطرق الرأس بخجل والاصفرار يكسو وجهه بلمحة من حزن.. حزن صارخ يملأ وجهه وتفيض بها عيناه.. انه لا يحتمل كل هذا الألم.. يا إلهي إنه يتعذب..
ابتسمت بوجهه وأنا أقوده إلى مقعده المعتاد..
نظر إلي بعذوبة وغشاوة من دمع تكتسح عينيه السوداوين..
قلت له بهدوء ووجهي لا يبدو عليه ما يعتمل داخل نفسي من اضطراب شديد..
ــ خالد.. نحن لم نتحدث عن طفولتك.. فماذا تتذكر منها؟
ألقى برأسه إلى الوراء وهو يقول:
ــ كنت أعود من مدرستي حزيناً مكتئباً فقد كا.....
قاطعته بحسم:
ــ أقصد قبل ذلك.. مرحلة ما قبل المدرسة.. طفولتك الأولى إلى جوار والدتك في البيت.. كيف كانت تعاملك.. وألعابك في البيت..
قبض على رأسه بعصبية وكأنه يعتصره.. ثم قال بنفاذ صبر:
ــ كلا.. لا أتذكر شيئاً عن تلك المرحلة على الإطلاق..
ركزت عيني في عينيه وأنا أقول:
ــ ألا تتذكر أبداً.. والدتك وحبها لك كيف كانت تلاعبك بحنان..
ابتلع ريقه وهو يهمس:
ــ نعم.. أمي كانت تحبني كثيراً.. وكانت تلعب معي دائماً.. ربما أكثر مما كانت أخواتي يفعلن معي..
وصمت.. ولم يقل شيئاً آخر..
أعدت عليه السؤال بصيغة أخرى:
ــ ووالدك ألا تتذكره.. كيف كان يعاملك وأنت صغير.. هل كان يحنو عليك أم كان يضربك بقسوة؟
قال بخشونة:
ــ كلا.. أنا لا أتذكره.. لا أتذكر أي شيء على الإطلاق.. اقتربت منه وقد أصررت على ملاحقته قائلة:
ــ تذكر يا خالد.. كيف كان بيتكم القديم.. الفناء الواسع وشجرة التين العتيقة.. حجرة الألعاب.. كما كنت تسميها.. هل تتذكر يا خالد؟
بدأت أنفاسه تعلو وتهبط والعرق يتفصد من جسمه بغزارة.. هتف بيأس:
ــ كلا.. لا أتذكر..
لاحقته هامسة:
ــ وحجرة نوم والدتك.. الغطاء الأزرق الملون.. والمطبخ.. هل تذكر المطبخ يا خالد..
صرخ بقوة:
ــ لا.. لا..
اقتربت هامسة:
ــ تذكر يا خالد.. والدك.. والمطبخ.. وأمك تبكي..
نظر إلي بجنون وهو يهتف:
ــ نعم أراد والدي أن يقتلني.. إني أتذكر بوضوح وهو يمسكني بقوة ليغرقني بالبنزين.. أتذكر وهو يحاول قتلي بالسكين.. وأمي تبكي.. وهو يهدد ويتوعد.. نعم أنا أتذكر كل شيء الآن..
صمت فجأة ثم أسرع نحو فتاحة الورق وهو يهدد بقوة:
سأحقق رغبة أبي.. سأقتل نفسي، فأنا غير مرغوب في وجودي.. لا أحد يريدني.. لا أحد يريدني.. أنا تعيس جداً، وسأنهي حياتي بنفسي لا بيد والدي..
وسبقته إلى الفتاحة لأخفيها بدرجي وضغطت الجرس لتسرع الممرضة بالحضور.. فأطلب منها حقنة مهدئة.. لأحقنه بها.. وما أن استلقى خالد على الأريكة وهو يلهث وكأنه قد عاد من رحلة قطعها ركضاً، حتى غامت عيناه بتأثير المهدئ.. وأحسست بالهدوء الشامل يلفني..
فعلاً لم أتوقع ثورته تلك.. ولم أضع حساباً لرد الفعل العنيف الذي تلقيته.. ولكن حمداً لله.. فلقد مرت الأزمة بسلام..
وبعد فترة لا أدري كم طالت.. فتح خالد عينيه.. ابتسمت له وبادلني الابتسام بهدوء.. قلت له بفرحة لم أستطع كتمانها..
ــ ماذا تشعر الآن يا خالد؟
قال وابتسامة هادئة تلوح على محياه:
ــ لقد أدركت يا دكتورة كم كنت شقياً فيما مضى.. فلم أكن أرف أن لهذا الحادث الأثر الكبير في حياتي.. ولكنني كنت قد نسيته.. فعلاً نسيته ولم أعد أذكر منه شيئاً على الإطلاق..
ولكنني الآن فهمت كل شيء.. فهمت سبب عذابي ومرضي ومحاولاتي الانتحار..
قلت له باسمة:
ــ أفهمت كيف أن محاولة والدك لقتلك وأنت طفل قد تسربت في عقلك الباطن، لتهرب منها وتنساها.. ولكنها لم تنساك، مضت تنغص عليك عيشك وتدفعك دفعاً لقتل نفسك مدفوعاً بإحساس إنه لا أحد يرغب بوجودك، وأن والدك بنفسه قد حاول قتلك.. فماذا عن الناس؟
ولكنني سعيدة لأنك فهمت كل شيء وأدركت كل شيء ومنذ الآن ولاحقاً أنا مطمئنة عليك..
قال وقد استعاد ثقته الكاملة وفي نفسه:
ــ الفضل لله ثم لك يا دكتورة.. ولكن ألن تعاودني تلك النوبات مرة أخرى؟
ابتسمت له معززة ثقته بنفسه وأنا أقول:
ــ اطمئن بإذن الله لن ترى شيئاً من ذلك.. لقد ولدت من جديد يا خالد.. وبإمكانك الآن مغادرتي مصحوباً بالسلامة.. إلى اللقاء يا خالد..
تردد برهة.. أحسست أنه يريد أن يقول شيئاً، ولكنه لا يستطيع.. قلت له مشجعة:
ــ خالد.. لا تتحرج من إلقاء أي سؤال.. فثق ثقة تامة أنك قد شفيت تماماً.. ومن حقك أن تسأل أي سؤال بشأن حالتك السابقة..
نظر إلي نظرة تفضح ما تضطرم به أعماقه.. أبيت أن أصدق ما وشت به عيناه.. أشحت بوجهي لأسمعه يقول لي بصوت متلجلج:
ــ ألن أراك مرة أخرى.. يا.. دكتورة..؟
قلت دون أن ألتفت إليه:
ــ لن تحتاج لي بإذن الله.. أنت الآن رجل كامل وأمامك المستقبل كله.. أتمنى لك حياة سعيدة..
مضى إلى الباب متثاقل الخطى.. ثم وقف فجأة..
تناهى إلى سمعي صوته المعهود:
ــ هل.. أقصد.. هل تسمحين لي بأن أزورك لاحقاً؟
رباه.. أن صوته قد أيقظ في نفسي كل شيء.. الحنين والحب والتعاسة.. سأقاوم حتى آخر رمق.. ان تهزمني لحظة ضعف.. إن شعوره طبيعي كمريض يتعلق بطبيبته.. ولكن ماذا عني أنا؟
الطبيبة المحترمة التي تفضل مصلحة مريضها على أي شيء في الدنيا.. حتى ولو كان في هذا تحطم لقلبها ومشاعرها..
قلت بخشونة تعمدتها وأنا أتظاهر بانشغالي بأوراقي:
ــ إن وقتي ضيق.. مع السلامة يا خالد..
صفعت أذني كلماته الأخيرة:
ــ مع السلامة.. الوداع يا دكتورة..
وانهرت على مكتبي في بكاء مرير.. لقد انتهى الحلم الوردي الذي عشت فيه أشهر طويلة من الفرح الممزوج بقلق وانتظار.. انتهى الفرح.. ووقف القلق.. وبقي الانتظار!!

انتهت

التقييم : 1.00
التعليقات : ( 0 )
عفوا لا يوجد تعليقات
الاسم
اضف تعليق
عودة »»
فى حالة وجود اى مشكلة فى اى صفحة او رابط الرجاء مرسلتنا